أربعة أوهام في ريادة الأعمال

هذا المقال مساهمة من مسرعة فلك

 

لريادة الأعمال العديد من التعريفات، وقد أصبحت توجها رائجاً لدى الشباب في عالمنا المتسارع لأسباب منطقية. لكن ومع ارتفاع وتيرة الدعم الحكومي، والاهتمام المتزايد من القطاع الخاص ( خاصة المستثمرين) بهذا المجال، فقد أدى ذلك إلى انتشار مصطلحات ريادة الأعمال وشيوعها، لذلك فإنه ينبغي علينا أن نتوقَّف قليلاً ونسترجع المعنى الحقيقي لريادة الأعمال، وتنظيف ما علق بهذا المصطلح من أوهام.

سنتناول في هذا المقال أربعة صور نمطية أو (أوهام) عن ريادة الأعمال نتجت عن هذا التوجه. فما هي هذه الأوهام؟

سوف أصبح رائد أعمال لكي أكون رئيس نفسي وأتحكَّم بساعات العمل الخاصة بي

الحقيقة المرة هي أن ساعات عمل رائد الأعمال تمتد على مدار 24 ساعة بدلًا من الدوام الثابت من الساعة التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، لذلك هذه الصورة النمطية زائفة تمامًا. والحقيقة المرة الأخرى هي أنك عندما تكون رئيساً لنفسك، فأنت ستصبح مسؤولًا عن مجموعة كاملة من الموظفين ( والمستثمرين والداعمين إن وجدوا) وليس عن شخص واحد فقط، ومن ثمَّ تكون قد استبدلت وجود رئيس لك بوجود عدة رؤساء يقعون ضمن نطاق مسؤوليتك.

إذا كنت تريد أن تصبح رائد أعمال بهدف تحويل أحلامك إلى حقيقة، فإنَّك تكون قد فهمت ريادة الأعمال بطريقة صحيحة. ولكن قبل أن تتخذ هذه الخطوة، يجب عليك أن تأخذ الأسئلة التالية بعين الاعتبار:

  • ما الذي سيدفعك إلى الاستمرار في شركتك الناشئة وحلمك في الأوقات الصعبة؟
  • هل ستُحسِّن منتجاتك أو خدماتك من أوضاع العالم ويكون لها أثراً اجتماعياً؟
  • لماذا تريد أن تصبح رائد أعمال أو أن تبدأ في تأسيس شركتك الناشئة؟

سيقوم المجتمع والحكومة والجميع بدعمي

على الرغم من أنَّ ريادة الأعمال هي من التوجُّهات المدعومة بالفعل، إلَّا أنَّ المنافسة منتشرة أيضًا، بالتالي فإن احتمالات رفض فكرتك أو منتجك واردة بشكل كبير. والسبب هو أن المنافسة ترفع من المعايير المتعلقة بالفئات المستهدفة سواء كانوا عملاءك او جهات حكومية أو مستثمرين، وهذا شيء صحي بالتأكيد. ولكن ماسيجعل فكرتك تتفوق على المنافسين وتقنع الداعمين لك هو إيمانك بها. إن كثيراً من الأفكار العبقرية والإبداعية قد لاقت رفضاً في بداياتها، ولكن الشيء الوحيد الذي حوَّلها من مجرَّد أفكار إلى حقيقة هو إيمان مؤسسيها والتزامهم المطلق بها.

على سبيل المثال، رفض أكثر من 70 مستثمر جريء فكرة مؤسِّسي شركة Adaptive Insights، ولكن في النهاية استحوذت عليها شركة WorkDay مقابل 1.5 مليار دولار في عام 2018. وفي المقابل، لدينا تجربة أخرى قبل 20 سنة. ففي أثناء فقاعة dot.com الشهيرة التي نتجت عن التوجُّه التكنولوجي الرائج في ذلك الوقت والاهتمام الكبير بريادة الأعمال، أنفقت شركة pets.com ( التي تأسست في نهاية 1998) أكثر من 12 مليون دولار  (يعتبر مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت) على الإعلانات المبتكَرة والتسويق لكي تتمكَّن من المنافسة في الأسواق التنافسية، لكنها اضطرت أخيراً إلى إيقاف عملياتها بشكل رسمي في عام 2000، بعد سنتين فقط من تأسيسها على الرغم من كل جهودها التسويقية.

من المهم أيضاً أن يتأمَّل كل رائد أعمال في الأسباب التي أدَّت إلى رفض فكرته وأن يكون موضوعياً تجاه الآراء والانتقادات المصاحبة للرفض.

يمكن لأي شخص لديه فكرة عظيمة ورائعة أن يصبح رائد أعمال

أُفضِّل الاستثمار في فكرة جيدة يمكن تنفيذها بطريقة رائعة بدلاً من الاستثمار في فكرة عظيمة يصعُب تنفيذها. هذه هي القاعدة العامة التي تشير إلى أنَّ الأفكار لا معنى لها ما لم يتم تنفيذها. لا يعني التنفيذ وجود خطة عمل مكتوبة بطريقة متقنة أو عرض تقديمي رائع؛ بل يُحكم على التنفيذ من خلال النتائج، وبعد ذلك يُحكم عليه من خلال التطوير المستمر.

دعونا نتحدَّث عن مؤسِّسي شركة Airbnb (براين تشيسكي وجو جيبيا) اللذين وصلت قيمة شركتهما إلى 25 مليار دولار. لقد كانت بداياتهما لا توحي بأنَّهما سينجحان، إذ بدأت قصتهما في عام 2007 عندما فكَّرا بتوفير ثلاث مراتب نوم على الارض إلى جانب تقديم وجبة الإفطار لأشخاص آخرين، بهدف كسب مبلغ يساعدهما على دفع الإيجار، وقد كان عنوان موقعهم الإلكتروني في البداية airbedandbreakfast.com ومن هنا جاء اسم الشركة. لكن بعد مرور الوقت وإدراكهما لحقيقة أنهم لايخدمون إلا عميلين فقط، فكَّرا بأنَّ الوقت قد حان للتفكير بحلول جديدة، ونشأت منذ ذلك الحين شركة Airbnb التي نعرفها. تعمل الشركة في وقتنا الحالي في 190 دولة وتحتوي قائمتها على أكثر من مليوني مكانًا للسكن، وقد حصلت في الجولة التمويلية الأخيرة على 1.5 مليار دولار مقابل 6% من الشركة، وهذا جعل قيمة الشركة تصل إلى 25.5 مليار دولار.

كان الإيمان بالفكرة، والالتزام بتنفيذها، إضافة إلى العقلية الريادية هي مادفع مؤسسي الشركة للوصول إلى ماوصلوا إليه اليوم. . هذه هي المثابرة، وهذه هي ريادة الأعمال!

سوف أصبح مليونيراً على الفور ثمَّ أصبح مليارديراً في المستقبل القريب.

إنَّ البيانات التاريخية أكثر مصداقية من الكلمات والآراء، ويخبرنا التاريخ أنَّ الشركات الناشئة لا تكون مستقرَّة أو مربحة خلال أول 3-5 سنوات من بداية نشأتها، لذلك من المهم أن يتحلَّى رائد الأعمال بالواقعية إلى جانب الطموح لتحقيق أهدافه الطموحة والعمل بذكاء حتى يستطيع النجاح، ويتطلَّب ذلك إدارة المخاطر وحساب مقدار التحسُّن بلغة الأرقام باستمرار واكتساب العملاء وبناء قيمة للعلامة التجارية.

دعونا نأخذ شركة أمازون العملاقة كمثال. لقد قام والدا جيف بيزوس باستثمار 250 الف دولار عام 1995 في شركة أمازون التي كانت في البداية متجراً إلكترونياً لبيع الكتب، ووصلت إيرادات الشركة بعد شهرين إلى 20 الف دولار في الشهر، ولكن لم يتم إنفاق هذه الإيرادات إلَّا على المزيد من التطوير والتحسينات. لقد استغرقت شركة أمازون 14 عاماً لكي تصل إلى مرحلة الربح.

تعدُّ قصة إيلون ماسك من الأمثلة الملهمة الأخرى. إيلون ماسك هو مؤسِّس شركة تيسلا، وشريك مؤسِّس لشركة باي بال، ومؤسِّس شركة سبيس إكس والعديد من المشاريع الأخرى. لم يكن إيلون في عام 2008 قادراً على دفع رواتب الموظفين في شركة تيسلا، لذلك قرَّر أن يُنفق الثلاثة ملايين دولار المتبقية في الحساب البنكي الخاص بالشركة على رواتبهم وأن يُنقذ الشركة من أن تعلن إفلاسها، واضطَّر في المرحلة نفسها إلى أن يطلب المال من أصدقائه لكي يتمكَّن من دفع إيجار منزله. لقد طُرحت شركة تيسلا للاكتتاب العام في عام 2010، وبلغت إيراداتها أكثر من 21 مليار دولار في عام 2018، وتصل قيمتها السوقية إلى ما يزيد عن 41 مليار دولار في الوقت الحالي( أكتوبر 2019).

الخلاصة

إنَّ الشيء المشترك بين الكثير من مؤسِّسي الشركات التكنولوجية العملاقة هو أنَّهم بدؤوا بالسعي لتنفيذ فكرتهم لأنَّهم ببساطة لا يستطيعون كبح أنفسهم عن ذلك، كما أنَّهم لم يفكروا يوماً في أنَّ نجاحهم سيخلده التاريخ وسيصل إلى ما وصل إليه.

ختامًا، ازدياد الاهتمام بريادة الأعمال يجعلنا فقط نركز على النتائج ونغفل المسيرة التي جاءت بهذه النتائج. هذه المسيرة التي تخللها الكثير من الوقت والجهد والطاقة والشغف والالتزام.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق