تحليل الأفكار الريادية بطريقة مبتكرة: 8 زوايا مختلفة

قام ابراهيم الشايع مشكوراً بمشاركتنا هذا المقال الذي قام بترجمته بتصرف وأضاف إليه بعض الأفكار. ونعتقد أنه من أهم المقالات التي يحتاج أن يقرأها المستثمر الجريء والريادي على حد سواء حتى يتمكن من مهارة تحليل الاستثمارات والاستراتيجيات. يعمل إبراهيم مهندساً للبرمجيات وهو شريك مؤسس في Saudi Nomad المتخصصة في الرحلات والمغامرات، كما أنه مهتم ببناء الشركات الريادية والاستثمارات الجريئة. ونحن في جولة سعداء بمشاركته ونتطلع لمساهماته القادمة.


 

ثمة طرق عدة لتحليل الأفكار الريادية والأسواق، إما بغرض تقييمها من قبل المستثمر الجريء أو لغرض دراسة جدواها من قبل ريادي متحمس. في هذا المقال سنناقش بعض الأساليب الإطارية التي يمكن أن ننظر للأفكار من خلالها، هذه الأساليب تتناول الفكرة من جوانب المشكلة وعمقها ومدى تكرارها، أو من جوانب صحة التنبؤ بها ومدى عقلانيتها. في هذا الإطار، سنتطرق إلى إطارين لقراءة الأفكار.

يعتمد إطار الأول على تحليل المشكلة أو الفكرة من ناحية مقدار التعب المبذول من قبل العميل المتوقع. فبعض النشاطات يكون متكرر ومتعب، وبعضها لا يكون كذلك. بالتالي سنرى أن لدينا أربعة سيناريوهات يمكن أن ننظر للأفكار الريادية من خلالها.

أما الأسلوب الثاني فهو من تطوير ماركس هاواردز “Marks Howards” وهو الأسلوب الذي ينظر للأفكار من زاوية مدى شعبية الفكرة أو قبولها لدى الغالبية. وهنالك أيضاً أربعة سيناريوهات في هذا الإطار يمكن تقييم الفكرة بناء عليها.

الإطار الأول: التعب والتكرار

متعب لكن غير متكرر = هوامش ربح مرتفعة 

هناك الكثير من الأنشطة المرهقة والمزعجة التي تتسم بعدم التكرار بشكل دوري للشخص العادي؛ مثل شراء منزل جديد، تجديد أثاث المنزل، السفر، أو الحصول على وظيفة جديدة، وغيرها. تتميز هذه الأنشط غالباً بوجود أشخاص وسطاء يملكون معلومات لايملكها الطرفين، مثل سمسار العقار. بالتالي يكمن الإبداع في خلق منصات تعمل على توليد بيانات ضخمه من العملاء تسمح بتحليلها ثم ربطها مع مزودي الخدمة، وبالتالي إقصاء الوسيط.

يقول ريتش بارتون “Rich Barton”، مؤسس Zillow ،Expedia، و Glassdoor أنه في هذا السيناريو تكون القوة للعملاء، أي أن تلك الأعمال تتسم باستثمارها الكبير في توليد بيانات للعملاء وتحليلها بالقدر الذي يسمح بالتنبؤ للعرض والطلب بشكل متكرر.

متعب ومتكرر =  منافسة عالية

أغلب الأفكار التي نشهد ولادتها حولنا، وتلك الأعمال التي نهُم ببنائها، والكثير من الأفكار المتناقلة والاهتمامات السائدة تكون وليدة أنشطة متكررة ومزعجة للكثيرين ممن حولنا بشكل دوري مثل الذهاب للمطعم لشراء الوجبات بشكل متكرر. الجميل في هذا السيناريو أن العملاء والعامة يستطيعون استيعاب وفهم تلك الأفكار بسهولة ومن ثم توقع نتائجها على حياتهم بشكل سهل وسلس حينما يتم اختبارها عليهم من أصحاب تلك الأفكار. في الطرف المقابل، ونتيجة لذلك، تشتد المنافسة بشكل كبير في هذا السيناريو.

أحد أسرار النجاح في هذا السيناريو هو أن تملك ميزة تنافسية قد تتمثّل في سهولة الوصول إلى مورد من الموارد، أو ابتكار ذا ملكية فكرية خاصة، أو حتى كونك من الأقلية الذين لديهم الوصول إلى حل استثنائي لا يسهل الوصول له.

غير متعب ومتكرر = ابتكار

هذا السيناريو هو الأكثر إمتاعاً وابتكاراً. تتسم تلك الأفكار المتركزة في هذا السيناريو بقلتها، فليس هناك مشكلة مباشرة يستطيع عامة الناس رؤيتها، ولا يوجد الكثير ممن يستطيعون التنبؤ بوجود فرصة في تغيير أسلوب الحياة الحالية في جانب ما. فقبل أن يكون هناك Uber لم نكن لنستشعر وجود مشكلة في التنقل عن طريق إيقاف تاكسي في شارع ما. وقبل وجود Airbnb لم نكن نتنبأ بأن هناك مستوى آخر أكثر إمتاعاً لأسلوب الحياة في الحصول على مسكن أثناء السفر والتنقل.

نستطيع القول بأن تلك المشاريع هي عملية شجاعة لإضافة طبقة أخرى من الرفاهية إلى حياة من حولنا عن طريق التقنية.

المخاطرة المرتفعة، عدم سهولة تغيير جانب في أسلوب حياة الناس، والصبر على هذا النوع من الأفكار قد تكون من الملامح المرتبطة بهذا السيناريو.

غير متعب وغير متكرر = علامة تجارية فاخرة

العلامات التجارية الفاخرة من حولنا أحد مثل لويس فيتون أو زارا هي أمثلة جيدة تجسد هذا السيناريو. فأحد ملامح هذا النوع من الأنشطة هو صعوبة بناء علامة تجارية ذا معنى و تأثير في ظل طابع وجود عملية غير مرهقة ومزعجة للعميل و تكرار أقل.

حالة الولاء التي تتولد عند العميل تجاه علامة تجارية معينة قد تكون هي الحالة السائدة في هذا السيناريو، حيث تجد أن هناك صعوبة في إقناع العميل لشراء المنتج نفسه من علامة تجارية أخرى منافسة، فينتج عن ذلك بطئ في التوسع و البناء و كسب الولاء.

الإطار الثاني: رؤية Marks Howards

يقول المستثمر والكاتب الأمريكي ماركس هاواردز” Marks Howards” في كتابه The Most Important Thing:  “أنه لكي تحقق عوائد استثمارية جيدة، لابد أن تكون لك رؤية عميقة! لذلك يجب أن تعرف أشياء عن تلك الفرص لا يعرفها غيرك، أو أن ترى الفرص بطريقة مختلفة، أو أن تقوم بدراسة جيدة للفرصة. والأفضل الجمع بين الثلاثة”

في هذا الإطار ننظر للأفكار من زاوية شعبيتها وصوابها من عدمه. ويجدر بنا ذكر أن هذه نظرة تحليلية خاصة للمشاريع القائمة منها والسابقة، فمن الصعب الحكم على صواب فكرة ما قبل الاختبار والتجربة.

فكرة غير مألوفة لكنها صائبة = ٢-٣ سنة تنبؤ مسبق

هذا السيناريو هو الأرض الخصبة لتلك المشاريع الاستثنائية الجاذبة للاستثمارات. فـ Uber و Airbnb وغيرها أمثلة على مشاريع تقنية رائعة تتمحور في هذا السيناريو.

هل كان من الممكن أن تتخيل أن ينام أحد الغرباء في شقتك؟! أليس هذا ضرب من الجنون؟! أم هل فكرة أنه بضغطة زر واحد يصلك شخص بسيارته الخاصة إلى مكانك كانت فكرة ممكنة؟ قد يكون هذا ممكناً للأغنياء وحدهم! والكثير من تلك القصص المتشابهة التي لايستوعبها العامة بسرعة، ولكن بتلك الرؤية العميقة تصنع هذه الأفكار عوائد استثمارية فائقة.

فكرة مألوفة وصائبة = منافسة شديدة ومباشرة

الكثير من المشاريع التقنية الاستثنائية في السيناريو السابق والتي تنبأت لمنتجها الجديد سوقاً ملائماً ووضعت يدها عليه تكون مصدر الإلهام لمشاريع أخرى مشابهة،  ليصبح ذلك السوق -وأسواقاً أخرى قريبة- مزدحما بالشركات التي سبقت بالدخول للسوق والشركات الداخله حديثاً. فإن حافظت هذه المشاريع الواصلة مبكراً على وتيرة التطوير في الاتجاه الصحيح والنمو الجيدين فسيكون لها المستقبل، وستفرض قوانين اللعبة الخاصة بها على الواصلين متأخراً، وسيكثر حينها الواصلون الجدد بمنتجاتهم المشابهة لتشتد المنافسة في وقت وجيز.

نسخ الأفكار إلى حدود جغرافية أخرى أصبحت طريقة ذات جدوى حسب الشواهد. أحد التجارب الجديرة بالذكر هنا هي تجربة Rocket Internet – الـ Startup Studio المعروف – في نسخ أفكار المشاريع التي وجدت لها سوقاً ملائماً في أماكن مختلفة من العالم و نقلها للسوق الأوروبي.

فكرة غير مألوفة  لكنها خاطئة = استثمار غير مجدي

الكثير من المشاريع التي نقرأ عنها بشكل دوري تقع هنا، حيث يحمل لها المستقبل مزيج من العقبات والتحديات التي تجعل تلك المشاريع تعيد التفكير ومن ثم تغيير ملامح المنتج بشكل متكرر إلى أن تجد المنتج المناسب للسوق، إلا أن الكثير منها لايتمكن من الحصول على تمويلات كافية تساعدها على البقاء حتى تجد هذا المنتج.

مثال على هذا هي المشاريع الرائعة هي المشاريع التي لا تجد الطريقة المناسبة للتسعير أو لكسب دخل مستقر وراء المنتج، والتي لا يؤهلها للدعم من صناديق الإستثمار. تطبيق صراحة و Whisper وغيرهم أمثلة على هذه الحالة.

فكرة مألوفة و خاطئة = فشل ذريع!!

المشاريع التي تمولها صناديق الاستثمار والمستثمرين الأفراد غاضين العين عن اقتصاديات الوحدة Unit Economics، تقع في هذا السيناريو. حينما يكون الاستثمار منطلقاً من الإيمان بالفريق خلف المشروع وحده، أو نموذج العمل وحده من دون الالتفات للأرقام السالبة، فيكون الاستثمار من أجل الدفع السريع بعجلة النمو من دون أن تتحسن تلك الأرقام مع التوسع أو تطوير المنتج حينها تنهار تلك المشاريع لانتقاء الأساس الصلب تحتها.

وجود هذا النوع من المشاريع بقدر منتظم هي حالة صحية لبيئة المشاريع والاستثمار بشكل عام، لأنه من الصعب كما ذكرنا أن تتأكد من صواب المشروع أو أن المشروع غير مألوف وصائب في بداياته الفكرة، فهناك قدر من المخاطرة يجب على المؤسسين التعرض له لاختبار مشاريعهم.

 

ختاماً، مدة حياة المشاريع التقنية الناشئة في السعودية مرتفع عن غيره من الدول. في حين أن 9 من أصل 10 أفكار يتم بناؤها تفشل بشكل عام خلال السنتين الأولى، الكثير من الأفكار التي تنطلق من المنطقة تبقى على قيد الحياة خلال السنتين الأولى. أحد الأسباب وراء هذا هو عدم اكتمال بيئة المشاريع التقنية Startup Ecosystem في المنطقة وبالتالي بطئ عملية التحقق من الفكرة والفشل، فأحد مهام المؤسسين هو سرعة تنفيذ عملية التحقق من بوادر النجاح للفكرة في مراحل الـ MVPs المختلفة، وسرعة التخلص والانتقال إلى أفكار أخرى، أو التغيير Pivoting حينما تكون المنتج الذي يتم بناؤه لا يبشر بالنجاح وعدم الارتباط العاطفي والحماس الغير منضبط تجاه تلك الأفكار.

 

المصادر

https://medium.com/swlh/how-to-know-if-your-startup-idea-is-worth-1-or-1b-8fa4bbebbdae

كتاب Howards Marks على أمازون

تعليق 1
  1. طارق يقول

    مقال رائع يشكر عليه الاستاذ ابراهيم..
    اول مره نشوف هذا الكم من المعلومات يصاغ ويقدم بهذه الجودة، اتمنى يستمر في نشر مقالاته.
    ايضًا احب اثني على لغته العذبة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق