مقالات

الدور المفقود في ريادة الأعمال – المنظومة

 

“صجيتونا” بريادة الأعمال جملة قالها لي أحد الأصدقاء مؤخراً، وصجة هي كلمة نجدية تعني الازعاج. وفعلاً المتابع لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي يلاحظ أن حديث الساعة أصبح ريادة الأعمال والشركات الناشئة بل أصبح رواد الاعمال من المشاهير في سناب شات وتويتر حتى أصبحنا لا نكاد نقرأ خبراً أو تغريدة إلا ونباغت بمواضيع ريادة الأعمال وروادها. هل أصبحت ريادة الأعمال موضة الموسم؟ هل وصلنا إلى مستوى من الرفاهية الاقتصادية إلى أن انشغلنا بمجموعة من الشباب والفتيات الذين يطمحون لأطلاق وتنمية مشاريعهم؟

وإذا تحدثنا عن أهمية ريادة الأعمال وتأثيرها على الحركة الاقتصادية قد يقال “مايمدح السوق إلا من ربح فيه” أنت يا قصي مدير أحد أهم الصناديق في المنطقة، صندوق الرياض تقنية (RTF) لرأس المال الجريء ومن مصلحتكم استمرار زخم ريادة الأعمال!!! فعلاً هذا صحيح فاستمرار أهمية الموضوع تدفع المزيد من الأشخاص لأطلاق شركاتهم الناشئة واستمرار إقبال المستثمرين على الاستثمار في القطاع يزيد من حجم المبالغ وعدد الصناديق التي يديرها مستثمري رأس المال الجريء. ولكن الآثار الاقتصادية لريادة الاعمال تتجاوز وبشكل كبير عوائد أي صندوق أو شركة.

في السعودية ودول الخليج التي تصنف كاقتصادات ريعية، حظينا بدور كبير للدولة في الاقتصاد والذي تضمن تأسيس  مجموعة من الشركات البارزة؛ فمثلاً ولدت سابك من رحم وزارة الكهرباء والصناعة بقيادة معالي الدكتور غازي القصيبي ومعالي المهندس عبدالعزيز الزامل، كما تم تخصيص مرفق الاتصالات (البرق والهاتف) وتحويله إلى شركة مساهمة سعودية باسم شركة الاتصالات السعودية لتصبح هذه الشركات محركات مهمة للاقتصاد الوطني.

الأمثلة على الشركات التي تؤسسها الدولة في السعودية كثيرة. صحيح أن هذا النموذج خدم الاقتصاد السعودي لعقود ولكنه لا يمكننا اثقال الدولة بأدوار إضافية وإخراجها عن نطاق دورها الأساسي. في رأيي أن دور الدولة توفير البيئة المناسبة للقطاع الخاص وملء الفجوات في الاقتصاد عند الضرورة وأنسب مثال على ذلك برنامج صندوق الاستثمارات العامة لتحفيز قطاعات جديدة في الاقتصاد السعودي مثل الترفيه والسياحة والصناعات العسكرية والتي بدورها تخلق فرص لشركات كبيرة ومتوسطة وصغيرة تغذي الشركات المملوكة للصندوق أو حتى منافستها إذا كنا محظوظين، فبعض القطاعات تحتاج لتوفير البنية التحتية التي تتيح لشركات القطاع الخاص فرص أفضل للانطلاق والنجاح.

ننسى أحياناً أن الطريقة الطبيعية لبناء الشركات في السوق الكفء (Efficient Market) تكون نابعة من القطاع الخاص وأقرب ما تكون إلى قصة تأسيس مصرف الراجحي فمن بسطة في أحد ساحات الرياض لصرف النقود إلى أحد أكبر المصارف الإسلامية في العالم إلى مجموعة شركات مالية، صناعي، عقارية وزراعية.

أزعم أن رؤية المملكة 2030 تعتمد اعتماداً كلياً في تحقيق أهدافها على ريادة الاعمال، فمثلاً إذا أخذنا مجموعة من الأهداف الرئيسية للرؤية مثل: رفع حجم الاقتصاد السعودي وانتقاله إلى المرتب ال 15 الأولى على العالم وزيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية والوصول بمساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي إلى 65% وتخفيض معدل البطالة نجد أنه يستحيل تحقيق هذه الإنجازات بعيداً عن منظومة مزدهرة لريادة الأعمال تسمح بإطلاق الكثير من الشركات ونمو بعضها لتصبح محركات مستقبلية للاقتصاد وتسهم بشكل فاعل في تحقيق أهداف الرؤية ومؤشراتها.

قد يتحسس البعض من ربط رؤية المملكة بالموضوع حيث درج البعض على استخدام الرؤية كما تستخدم الكلمات الرنانة للفت الانتباه وإعطاء الحديث أهمية أكبر، ولكن فهمي لرؤية المملكة العربية السعودية  2030 أنها خارطة طريق لاقتصادنا في المستقبل ومن وجهة نظر استثمارية أرى أن الفرص التي تتقاطع مع أهداف الرؤية ستحقق العوائد المجزية  للمستثمرين.

ريادة ورواد

ناقش الأكاديميون تعريف رواد الأعمال منذ العام 1950 ميلادي وتنوعت التعاريف بحسب وجهة نظر الباحث. وبالإضافة إلى الرأي الأكاديمي يبرز رأي المثقفين والمهتمين، حيث يحب بعضهم اعطاء لقب رائد الأعمال قدسية لا يصلها إلا من تنطبق عليه معايير معينه أو أنه لقب ارستقراطي يجب أن يعطى بحذر لمن يستحقه. ولكن ما يهمني كممارس في المجال هو عكس الصورة الحقيقية لمن اعتقد أنهم رواد أعمال.

في رأيي أن الشاب الذي يطلق مشروعه التقني مع شريكه ويقدم حل مميز في مجاله ويصبح بنجاح مشروعه في مصاف الأثرياء، والفتاة التي تبدأ مطعمها وتخلق مجموعة من الوظائف وعلامة تجارية معروفة، والأسرة التي تنتج مخبوزات بنكهة منزلية لا تنافس، والفنان الذي يعبر عن أفكاره من خلال فنه، والمصمم المستقل الذي يقدم خدماته لمجموعة من الشركات، ورجل الأعمال الناجح الذي يعيد استثمار موارده المالية وعلاقاته ويدخل في قطاع جديد لتأسيس شركة واعدة كلهم رواد أعمال يوطنون سلاسل الإمداد ويعظمون القيمة المضافة داخل الاقتصاد السعودي، بخلق وظائف لأنفسهم ولغيرهم تسهم تخفيض نسب البطالة، ورفع نسبة الناتج المحلي للاقتصاد ودفع الضرائب التي تسهم في تخفيض الاعتماد على النفط، ورفع جودة الحياة والتنافس لتوفير تجارب مميزة عن طريق منتجاتهم وخدماتهم، كلهم في رأيي رواد أعمال لأنهم يسهمون في تحقيق هدف وطني اقتصادي أكبر.

الإيمان بحجم الآثار الاقتصادية المتوقعة لمنظومة ريادة الأعمال هي السبب في تأسيس الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) في عام 2016 والتي تهدف إلى دعم وتنمية القطاع وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 20% إلى 35% بحلول عام 2030م. وتوضح سبب سعي هيئة السوق المالية ووزارة التجارة في مراجعة تشريعاتهم بشكل مستمر وإقرار سهولة ممارسة الأعمال كأحد أهم أهدافهم. وهو الدافع وراء تحويل الهيئة العامة للاستثمار إلى وزارة الاستثمار لإبراز أهمية السوق والاقتصاد السعودي للعالم والسعي لجذب رؤوس الأموال الأجنبية للاستفادة من الفرص الواعدة ونقل المعرفة وتوطينها واستقطاب كبار الشركات للتواجد في السوق السعودي بشكل مباشر وخلق الوظائف داخل السوق الذي كانوا ينتفعون بعوائده لسنوات طويلة عن بعد.

ولدفع عجلة التنمية، كان لابد من توفير الاستثمارات لقطاع ريادة الأعمال من خلال تأسيس أكثر من ذراع استثماري لتحفيز السوق واستخدام أحد أهم الأدوات للتحفيز وهي استثمارات الملكية الخاصة ورأس المال الجريء. فتم تأسيس شركة صندوق الصناديق “جدا” برأس مال 4 مليار ريال و الشركة السعودية للاستثمار الجريء برأسمال 2.8 مليار ريال بهدف الاستثمار في صناديق رأس المال الجريء والملكية الخاصة.

إن تأخرنا في فهم منظومة ريادة الأعمال وأهمية دورها فسوف يكلفنا الكثير وقد يؤخر تحقيق الرؤية من خلال عدم معرفتنا باحتياجاتها وعدم اتخاذ القرارات اللازمة لتحفيزها، ولأن هذه الأجزاء الكبيرة لا يمكن أن ترى بطريقة واضحة إلا من خلال النظر لها كمنظومة ألا وهي منظومة ريادة الأعمال. فما هي هذه المنظومة؟

منظومة ريادة الأعمال هي عناصر البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على ريادة الأعمال وتعمل كحاضنات للإبداع والابتكار وتحويلها إلى فرصة قادرة على النجاح. تصنف كلية بابسون الامريكية منظومة ريادة الأعمال وفق إطار يحتوي على 6 عناصر وهي: السياسات، التمويل، الثقافة، الدعم، رأس المال البشري والأسواق.

  • السياسات: تشمل الدور الحكومي كمشرع وممكن.
  • التمويل: مجموعة الخدمات المالية المتاحة لأصحاب المشاريع.
  • الثقافة: الأعراف المجتمعية وقصص النجاح التي تساعد على الإلهام.
  • الدعم: المؤسسات غير الحكومية والبنية التحتية ودعم المهنيين مثل المصرفيين الاستثماريين والخبراء الفنيين والمستشارين.
  • رأس المال البشري: نظام التعليم ومستوى مهارة القوى العاملة.
  • الأسواق: شبكات الريادة والعملاء.

تشمل هذه المنظومة جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين، مثل الحكومة والجامعات والشركات الكبيرة ورؤوس الأموال الجريئة ورواد الأعمال، ويتمثل الدور الرئيسي لأصحاب المصلحة في تنمية عناصر منظومة ريادة الأعمال المذكورة أعلاه بهدف تمكين الإبداع واستمرار ظهور ونمو الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة. وأن أي قصور في عناصر المنظومة له تأثير كامل على أداء المنظومة ككل.

الخلاصة:

ان منظومة ريادة الأعمال لها 6 عناصر مهمة وأصحاب مصلحة رئيسيين وان أدائهم لأدوارهم على أكمل وجه مهم جداً لنجاح المنظومة والتي لها دور كبير في تشكيل ونمو الاقتصاد. أن رواد الأعمال يأتون بأشكال مختلفة وان ما يصنفهم كرواد أعمال أو أصحاب مشاريع هو مقدار الأثر الذي يحدثونه. كما انوي في مقالات مستقبلية الحديث عن أجزاء المنظومة وتقييمها من خلال واقعنا اليوم في المملكة العربية السعودية والعالم العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى